سيادة النزاعات السياسية والمحاصصات تلغي المجلس الاقتصادي والاجتماعي

Thu, 10/30/2014

كان مفترضاً من اتفاق الطائف الذي عقد في العام 1989 ان يضع الأسس لاعادة بناء الدولة والمؤسسات الدستورية، الا ان كثيرة هي البنود التي تضمنها ولم يتم تطبيقها، خصوصاً البنود الإصلاحية.

احدى تلك البنود انشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الذي يهدف، من جهة، الى تعزيز الاصلاح الديموقراطي في مؤسسات الدولة والمجتمع، من خلال المشاركة الواسعة لاعضائه في الحوار الاقتصادي الاجتماعي، وبين فئات متباينة المصالح، ومن جهة أخرى، المساهمة في رسم السياسات الاقتصادية والإجتماعية للحكومات. لكن وعلى الرغم من تشكيل المجلس في العام 2000، اي بعد نحو عشر سنوات من إتفاق الطائف، لم يسلم المجلس، منذ انشائه، من التدخلات السياسية الطائفية ومنطق المحاصصة، الامر الذي ادى الى تعطيل دوره ان لم نقل الغاءه.

والجدير ذكره، ان المجلس يتشكل من الهيئات والنقابات والجمعيات على النحو التالي: اولاً: أصحاب العمل: القطاع الصناعي، القطاع التجاري، القطاع الزراعي، القطاع المصرفي، القطاع السياحي، قطاع النقل، قطاع المقاولين، قطاع التأمين، القطاع الاستشفائي الخاص، القطاع التربوي الخاص، ثانياً: المهن الحرة، ثالثاً: النقابات، رابعاً: الجمعيات التعاونية، خامساً: المؤسسات الاجتماعية، سادساً: ممثلون يعينون بمرسوم في مجلس الوزراء، سابعاً: ممثلون عن الإغتراب اللبناني.

انشئت الهيئة العامة الأولى للمجلس، الذي يبلغ عدد اعضائها 71 عضوا، في 30 كانون الأول 1999، عندما صدر مرسوم تأليفها، فاجتمعت وانتخبت روجيه نسناس رئيساً، الذي انتهت ولايته في العام 2002 ولم يعين بديلا له حتى تاريخ اليوم، لكنه لا يزال يتولى رئاسة المجلس في اطار "تصريف الاعمال".

اما عن اسباب تعطيل عمل المجلس، فيكتفي نسنانس بالتأكيد ان "الأمر منوط برئاسة الحكومة، وكل الحكومات المتعاقبة لم تكلف نفسها عناء الإهتمام بذلك ولا حتى بتعيين هيئة عامة جديدة"، فيما ينحو بعض المحللين الى الاعتقاد ان تعطيل المجلس نجم، في البدء، من ما عرف بحكم الترويكا في عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، وتحت ذريعة تحقيق التوازن الطائفي في السلطة، وفيما بعد المحاصصة. ويرى اخرون ان سلسلة الأحداث بعد العام 2005، دفعت باتجاه استئثار السلطة من قبل زعماء الطوائف الاساسية، مما تسبب في شل المؤسسات الدستورية، وكذلك اي امكانية للحوار الإقتصادي الإجتماعي بين الفئات الإجتماعية المختلفة، لصالح النزاع السياسي بين الطوائف.

وقد برز مؤخراً، بعض الدعوات الخجولة، نذكر منها هنا الاجتماع التي عقدته 4 هيئات مدنية خلال الشهر الجاري، التي طالبت بحوار اجتماعي ممأسس بين ممثلين/ات عن مختلف الهيئات والقطاعات التي يتشكّل منها المجلس، وذلك من أجل إيجاد صيغ حلول على الرغم من المأزق السياسي السائد حالياً.
كذلك طرحت حكومة ميقاتي السابقة فكرة إنشاء لجنة للحوار الاقتصادي والاجتماعي برئاسة رئيس الوزراء وبعضوية عدد من الوزراء مع الاتحاد العمالي العام وهيئات أصحاب العمل، كبديل عملي عن المجلس الإقتصادي والإجتماعي.

من جهتنا، لا نرى أن طرح فكرة انشاء مجلس ظل، او مجلس بمسؤوليات مماثلة، خياران واقعيان في الظروف الحالية، وخصوصاً نظراً لطبيعة الأطراف التي يمكن ان تشارك في الحوار المرتبطة بشكل أو بآخر بأطراف النزاع السياسي.

وفي الختام، وفي ظل الازمة السياسية الخانقة والمترافقة مع اخواتها الامنية والاقتصادية والاجتماعية، ثمة حاجة ملحة لإيجاد رؤى اقتصادية واجتماعية مشتركة، الا ان ذلك يبدو متعذراً في ظل تضارب المصالح وسيادة منطق النزاعات السياسية، كما ثَبُت ذلك أخيراً في سياق المحاولات لاقرار مشروع سلسلة الرتب والرواتب.