في قانون الاقتراع: استنسابية في تقسيم الدوائر لاعادة انتاج الطبقة السياسية نفسها

Tue, 07/12/2016

بعد ان اثرنا في الافتتاحية السابقة مسألة الكباش السياسي في لبنان حول القانون الانتخابي (النسبي او الاكثري)، ننتقل في هذه العجالة الى موضوع التقسيمات الادارية، وهو جزء مكمل للجدل الدائر حاليا في الاوساط السياسية، حول السلة المتكاملة لحل الازمة السياسية الراهنة ولاعادة تشكيل السلطة.
في متابعة لمجريات المناقشات، يبدو واضحا ان اكثرية القوى المنضوية تحت مسمى "8 اذار"، تفضل الدوائر الكبرى، التي ترى انها تقارب بشكل افضل حجمها على الارض، بينما تتمسك اكثرية قوى "14 اذار"، بالدوائر الصغرى، التي تمنع، بحسب رأيها، الفريق الاخر من الهيمنة، فيما يفضل معظم القوى المسيحية الدوائر الصغرى، على اساس انها تؤمن التمثيل الاقوى للمسيحيين/ات. والواضح ايضا ان كل الاقتراحات للتقسيمات الإدارية، تتبع منطقاً استنسابياً، بما يعيدنا الى "قانون الستين" الاكثري، الذي اعتمد في الانتخابات الاخيرة في الـ2009، والذي تم بموجبه الارتكاز الى القضاء دائرة انتخابية واحدة، خلافا "لاتفاق الطائف" الذي قضى بأن تكون الدائرة الانتخابية المحافظة. وبموجب قانون الستين تم تقسيم محافظة بيروت الى ثلاث دوائر، وضم قضائي بعلبك والهرمل في دائرة واحدة، وكذلك قضائي البقاع الغربي وراشيا، حاصبيا ومرجعيون، كما استحدثت دائرة لمنطقة الزهراني في الجنوب التي تقع في قضاء صيدا وهي ذات الاغلبية الشيعية، وكل ذلك مراعاة لمصالح انتخابية فئوية.
يتركز الخلاف الاساسي بين الفرقاء الرئيسيين حاليا، حول التقسيمات المقترحة لمحافظة جبل لبنان، اذ يحاول كل فريق سياسي تفصيلها على حجم مصالحه، وذلك ما بدا جليا في القانونين المقترحين من كل من رئيس مجلس النواب، نبيه بري، من جهة، وتفاهم "المستقبل" و"القوات" و"اللقاء الديمقراطي"، من جهة ثانية. ينص قانون بري، على ضم الشوف وعاليه وبعبدا في دائرة واحدة، مقابل المتن وجبيل وكسروان دائرة واحدة، بينما يقترح الطرف الاخر ان يكون الشوف وعاليه دائرة واحدة، وكسروان وجبيل والمتن وبعبدا دائرة واحدة، وذلك احتراماً للخصوصية الدرزية. كذلك، فَصَل الطرح الثلاثي حاصبيا عن مرجعيون لكي لا يأتي النائبان الدرزي والسني باصوات الشيعة.
كذلك يبرز الخلاف حول المعيار الذي يتوجب اعتماده لتوزيع الدوائر بين الاكثري والنسبي، اذ يصر مؤيدو الاقتراح الاول على المناصفة واعتماد معيار واحد يحكم كل القانون والتوزيع، بينما يتمسك الفريق الاخر المؤيد لاقتراح "الثلاثي" على اعتماد اكثر من معيار بحجة مراعاة ما اسماه "الكيانات" و"الخصوصيات"، الواجب المحافظة عليها في عدد من الدوائر مثل صيدا (حيث يوجد فقط مقعدان للسنة) والبترون وبشري (مقعدان للموارنة). وبين كلي الاقتراحين، يتمسك حزب الكتائب بقانون الدائرة الفردية مع الخروج من القيد الطائفي، بينما يصر حزب الله وحلفاؤه، من كل من الحزب القومي، البعث، الشعبي الناصري، وكذلك الشيوعي، على التقسيم على اقتراح لبنان دائرة واحدة، واذا تعذّر ذلك، الدوائر الموسّعة.
في الخلاصة، يتبين ان كافة المناورات الحالية بين الاطراف السياسية الرئيسية، تدور في فلك كسب اكثرية نيابية ومن ثم الاحكام على السلطة، بالاستناد الى تحالفات متحركة عابرة للطوائف، لكنها مرتكزة على التركيبة السكانية الطائفية. وتظل اللعبة السياسية التي يتقنها كل الاطراف السياسية منصبة في تقطيع الوقت من خلال نقاش عقيم حول الاكثري والنسبي، الدائرة الاوسع او الاصغر، طالما ان مصير لبنان لا يزال مرهونا بتطورات الحرب في سوريا اولا، والعراق واليمن ثانياً. اما مسألة حسن التمثيل الشعبي، تكريس ارادة المواطن/ة، احقاق العدالة والمساواة، فهي كلها عناوين لا تزال اشد البعد عن اهتمام الطبقة السياسية، لا سيما في غياب قوى سياسية بديلة مؤثرة.